صديق الحسيني القنوجي البخاري
73
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهذا من عمدة الأمثال التي تخص محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وتبشر به ، وقد غفل عنه اليهود والنصارى ولم يتوجهوا له ولا لما قبله وبعده من هذا السفر ، والحق أحق أن يعترف به ، فإن جميع آياته تتعلق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكني اكتفيت منه بهذا المثال ونقلت لفظة محبوبي من الأصل الانكتاري على ما كانت عليه ، وهو لفظ لو بفتح اللام وسكون الواو الانكتارية الساكنة وهي تارة تطلق على العشق وتارة على المعشوق ، وكان الكاتودكيون قد ترجموها بابن أخي وأجمعوا على ذلك امتثالا لأمر البابا سركيس ، وهي في الأصل العبراني دوو كفلس بإمالة الواو ، ومعناها العم أخو الأب كما ورد في أشمويل ، وبنو العم كما ورد في الخروج ، وابن العم ، كما ورد في أرميا ، ولم يفسرها أحد من اليهود بابن الأخ فعلى ترجمة الانكتاريين يكون محبوب سليمان عليه السلام محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه تنبىء عليه ولأنه خاتم الرسل ، وعلى ترجمة الباب سركيس يكون ابن أخيه لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم من أولاد إسماعيل ، وسليمان من أولاد إسحاق وهما ابنا إبراهيم عليهم السلام ، فيكون كل واحد من محمد وسليمان عليهما السلام ابن أخ لصاحبه ، وعلى لغة اليهود فعلى الأول فيكون سليمان قد عبر بنفسه عن بني إسرائيل وعن محمد صلى اللّه عليه وسلم بنفس إسماعيل فيكون عمه ، وعلى الثاني يكون قد عبر عن نفسه ببني إسرائيل وعن محمد صلى اللّه عليه وسلم ببني إسماعيل فيكون قد عبر عنه بأولاد عمه ، وعلى الثالث يكون قد عبر عن نفسه ببني إسرائيل ، وعن محمد صلى اللّه عليه وسلم بابن إسماعيل فيكون ابن عمه ، وتأنيث الضمير لأنه عبر عن نفسه بالقبيلة . والمعنى أن هذا صوت محبوبي يسمع فاسمعوه ، فإنه أتى يقفز على الجبال لأنه تولد في الحجاز ، وهي أرض وعرة كثيرة الجبال ، ويظفر على الأتلال لأنه ربي في البر مع بني تميم ، إن محبوبي كالغزال ، جملة استئنافية تتضمن بعض صفاته صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك إشارة إلى أنه كان طويل العنق أسمر العينين ، أو كخشف الأوعال عطف على كالغزال وتأكيد لها ، هذا هو واقف خلف جدارنا ، هذا للتحضيض في الاصطفاء لكلامه ، وخلف جدارنا إشارة إلى قرب زمانه أو إلى ضرورة إتيانه ، يطل من الكوة ويظهر نفسه من الشباك ، إشارة إلى علو مكانه وسمو مقامه ، وإلى أنه يأتي إلى بلدهم لكن لا يتوقف فيها ، بل يكون فيها كالذي ينظر من الشباك ، وفيه إشارة إلى المعراج الجسماني لأن قوله : يطل وينظر فيهما إشارة إلى غاية انتهاء النظر ، وهو يدل على التحدّد الجسماني وعلى ارتفاع مكان الناظر ، وفيه رد على من ينكر معراجه بالجسم . فتكلمت محبوبتي وقالت ، اطراد من المتكلم إلى المخاطب ، والتأنيث باعتبار القبيلة أو البلد ، قم يا محبوبي وجميلي وتعال ، إظهار للرغبة في ظهوره صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الشتاء قد مضى ، يريد بالشتاء مدة ما بينهما من الزمان ، أو زمان الفترة بينه وبين عيسى عليه السلام ، والمطر قد انقضى ، يريد به الحاجب عن الظهور إما ما هو من جهة غلبة الجهل